No Widgets found in the Sidebar
سواء كانت "شين يون" (Shen Yun) عرضًا فنيًا بحتًا أم منصة دعائية، يظل السؤال الأهم: كيف نستهلك الفن؟

لطالما كان الفن وسيلةً يتجاوز بها الإنسان حدود اليومي، متسلحًا بالخيال، ليحاكي الماضي أو يتنبأ بالمستقبل، ليقاوم، أو ليحكي فقط قصةً أُغفلت. لكنه أيضًا لم يكن يومًا كيانًا بريئًا معزولًا عن سياقات القوة والتأثير، بل ظل دومًا ساحةً للصراع، حتى حين يتجمل بالموسيقى والرقص. وهنا، في هذه المساحة الرمادية بين الإبداع والدعاية، تبرز فرقة “شين يون” (Shen Yun) كواحدة من أكثر الظواهر إثارةً للجدل.

“شين يون” (Shen Yun).. عرض أم رسالة؟

تأسست فرقة “شين يون” (Shen Yun) عام 2006 في الولايات المتحدة، مقدمةً عروضًا تستلهم التراث الصيني القديم، بلغة جسدية معاصرة، ممزوجة بالأكروبات والموسيقى الحية. تدّعي الفرقة أنها تحاول إنقاذ إرث حضاري مهدد، لكن سرعان ما يتضح أن خطابها يتجاوز الجماليات البصرية ليصطدم مباشرةً بالمحظور السياسي. وهنا تبدأ الأسئلة: هل هي مجرد استعادة لفن منسي، أم أنها ذراع دعائي لحركة “فالون غونغ” (Falun Gong) المعارضة للنظام الصيني؟

حين يصبح الفن بيانًا سياسيًا

تروج “شين يون” (Shen Yun) لنفسها بوصفها سفيرةً للثقافة الصينية الحقيقية، في مواجهة ما تسميه “طمس الهوية” الذي مارسه الحزب الشيوعي الصيني (Zhōngguó Gòngchǎndǎng – 中国共产党)، خصوصًا خلال الثورة الثقافية (Wénhuà Dàgémìng – 文化大革命). لكنها لا تكتفي بهذا الطرح، بل تتبنى داخل عروضها رؤيةً صدامية مع النظام، حيث تتحول العروض إلى مساحة بصرية تجسد الصراع بين الخير والشر، حيث الخير دومًا في صف “فالون غونغ” (Falun Gong)، والشر متجسدٌ في صورة الحزب الشيوعي الصيني (Zhōngguó Gòngchǎndǎng).

يظهر ذلك جليًا في مشاهد تتضمن شخصيات تمثل أعضاء “فالون غونغ” (Falun Gong) يتعرضون للاضطهاد من شخصيات أخرى ترتدي ملابس قوات أمنية، وصولًا إلى صور رمزية ترسم “الخلاص” على أيدي القوى الروحية للحركة. هذه المشاهد تجعل من الصعب تصديق حيادية الفرقة، إذ يتحول المسرح إلى منصة خطاب سياسي بامتياز.

بين الإبهار والريبة: كيف استقبلها العالم؟

لا يمكن إنكار أن عروض “شين يون” (Shen Yun) تقدم تجربة بصرية مذهلة، بتقنيات مسرحية متطورة، وأداء متقن يجمع بين البراعة الجسدية والدقة الإيقاعية. وهذا ما يجعلها تحظى بإشادات واسعة من جماهير غير معنية بالجدل السياسي، لكنها في الوقت ذاته تثير انتقادات من قبل نقاد الفن والصحافة الغربية التي تساءلت عن مدى براءة هذا الإبهار البصري من التوظيف الإيديولوجي.

وربما ما يثير الشك أكثر هو الحملة الإعلانية الضخمة التي تروج لعروض الفرقة، حيث تنتشر ملصقاتها في أرقى الشوارع العالمية، دون أن يكون لها دعم رسمي من جهات فنية معروفة، ما دفع البعض للتساؤل: من يمول هذا الحضور الطاغي؟ وهل يمكن اعتباره مجرد ترويج فني، أم أنه جزء من حملة مدروسة لنشر خطاب سياسي معين؟

الفن والسياسة: متى يصبح الخط الفاصل أوهامًا؟

هل يمكن للفن أن يكون محايدًا؟ وهل ينبغي عليه ذلك أصلًا؟ هذه الأسئلة تلاحق كل تجربة فنية تتماس مع السياسة، لكن حالة “شين يون” (Shen Yun) تبدو أكثر تعقيدًا لأنها لا تعلن صراحةً عن موقفها السياسي، بل تلبسه ثوب التراث والفلكلور.

إن كان الفن في جوهره تعبيرًا عن تجربة إنسانية، فهل يمكننا أن نلومه إن حمل في طياته موقفًا سياسيًا؟ أم أن المشكلة تبدأ حين يصبح الفن وسيلة دعاية متخفية؟ وبين هذين الحدين، هل على الجمهور أن يكتفي بالفرجة الصامتة، أم أن عليه دائمًا أن يتساءل: ماذا يُقال لي دون أن يُقال؟

سواء كانت “شين يون” (Shen Yun) عرضًا فنيًا بحتًا أم منصة دعائية، يظل السؤال الأهم: كيف نستهلك الفن؟ هل نسمح لأنفسنا بالانبهار دون أن نتساءل عما وراءه؟ أم أننا، في سعينا الحثيث لفهم النوايا الخفية، نخسر متعة التجربة الجمالية؟ ربما، كما في الرقص نفسه، علينا أن نوازن بين الاثنين: أن نراقب الحركة، لكن دون أن نغفل عن المعاني التي ترقص في الظلال.