No Widgets found in the Sidebar
بل ننجو عندما نكون مع من يشاركونا معركتنا، حين نعلم أن الألم ليس عارًا، وأن العجز ليس علامة ضعف

نحن، البشر، نحب أن نلقي الأحكام كما نلقي الحصى في الماء. نتخذ قرارات سريعة، بسيطة، ربما على عجلة، عن من هو القوي ومن هو الضعيف، من يستحق الاحترام ومن يستحق الإدانة. كأننا نملك قدرة خارقة على رؤية ما وراء الجدران، كما لو أن لدينا عيونًا يمكنها أن ترى القلب، أن تميز بين الصادق والكاذب. ولكن هل حقًا نرى؟ هل حقًا نفهم؟ أم أننا فقط نراقب من بعيد، نرسم صورة سطحية لما نريد أن نراه؟

نعيش في عالم مليء بالتصورات التي نصنعها لأنفسنا. نعتقد أن الحياة بسيطة، يمكننا أن نخرج منها بلا جروح، أن الألم مجرد لحظة عابرة يمكن التغلب عليها. نعتقد أن الخيانة هي خيانة واحدة، يمكننا أن نتجاوزها كأنها حدث عابر. نعتقد أن الفقد هو مجرد لحظة بكاء، ثم نعود لالتقاط أنفاسنا. ولكن عندما يبتسم لنا القدر بشكل قاسٍ، عندما نكون نحن في مكان أولئك الذين حكمنا عليهم، ندرك كم كنا بعيدين عن الحقيقة. ندرك أن ما اعتقدناه عن القوة والضعف لم يكن سوى نظريات واهية، ونتبين أن الواقع أشد قسوة من تصوراتنا.

لا أحد يعرف كيف يكون الألم إلا من عايشه. لا أحد يفهم ما تعنيه الخيانة الحقيقية إلا من وقع فيها. ولا أحد يدرك ماذا يعني أن يفقد شيئًا عزيزًا إلا من عايش الفقد. لا يمكن لنا أن نصدر حكماً على معاناة لم نختبرها. ولا يمكننا أن نعلم كيف يكسر القلب إلا إذا كنا قد جمعنا أشلاءه بأنفسنا، في ظلام الليل البارد، ونحن نبتلع دموعنا بصمت، خائفين من أن يسمعنا أحد. أن نحكم على معاناة لا نعلم تفاصيلها هو بمثابة إهانة للروح، هو كأننا نقول له: “ماذا لو كنت فقط تتخيل؟ ماذا لو كانت معاناتك مجرد مرحلة يمكن تجاوزها؟”

الصمت: أصعب لغة يمكن أن نتعلمها

لو كنا نصمت أكثر، لربما فهمنا أكثر. الصمت ليس انعدامًا للكلمات، بل هو مكان نتنفس فيه بعمق لنستوعب ما لا يُقال. إذا صمتنا قليلاً، نسمع أكثر. نسمع معاناة الناس كما يشعرون بها، لا كما نراها نحن. نرى أوجاعهم بعيونهم، لا بعقولنا. قد نكتشف أن كل شخص يحمل في قلبه معركة غير مرئية، وأن كل ألم له وجه آخر، وحكاية لم نكن نعلمها. الصمت ليس ضعفًا، بل هو أداة من أرقى أدوات الفهم. الصمت يعطينا المساحة لنشعر بحقيقة الألم كما يشعر به صاحبه.

النجاة ليست شيء يحدث بمفردنا. في النهاية، لا أحد ينجو بمفرده. نحن لا ننجو إلا عندما نكون مع آخرين يفهموننا، لا يتهموننا بضعفنا، بل يمدون يدهم حين نحتاج إليها. نحن لا ننجو عندما نكون محاطين بمن يلوموننا لأننا سقطنا، بل عندما نكون مع من يرفعوننا برقة عندما نكاد نفقد الأمل. نحن لا ننجو عندما نكون محاطين بالمتفرجين الذين يطلقون أحكامهم من مقاعدهم المريحة. بل ننجو عندما نكون مع من يشاركونا معركتنا، حين نعلم أن الألم ليس عارًا، وأن العجز ليس علامة ضعف.

الإنسان في النهاية هشّ. ومع ذلك، فإن هشاشته هي التي تجعله إنسانًا. إذا كنا جميعًا أقوياء دائمًا، لما شعرنا بما يشعر به الآخرون. لما كنا قادرين على التعاطف معهم. نحن في النهاية بحاجة لبعضنا البعض، بحاجة لمن يفهمنا في لحظات ضعفنا، وليس فقط في لحظات قوتنا.