يعد مسلسل “معاوية بن أبي سفيان” تجربة درامية جريئة، كونه يتناول إحدى أكثر الفترات اضطرابًا في التاريخ الإسلامي: الصراع الذي أعقب مقتل عثمان بن عفان، المواجهة بين علي ومعاوية، ثم تأسيس الدولة الأموية. من هنا، يطرح العمل أسئلة تتجاوز البعد الشخصي لمعاوية لتشمل قضايا السلطة، الشرعية السياسية، .والحتميات التاريخية
العمل الدرامي، مهما حاول الالتزام بالدقة، يظل خاضعًا لضرورات السرد، حيث تتحول الشخصيات إلى رموز وتتم إعادة بناء الأحداث بوعي سينمائي يخضع للحبكة أكثر من التوثيق الأكاديمي. هذا يجعلنا نتساءل: هل نجح المسلسل في تقديم قراءة ذكية لهذه المرحلة؟ أم أنه انحرف إلى تقديم نسخة مؤدلجة من التاريخ؟
الحبكة الدرامية وبناء السرد
يتتبع المسلسل مسيرة معاوية بن أبي سفيان منذ نشأته، مرورًا بتحولات شخصيته في ظل الصراع السياسي والديني، وانتهاءً بتأسيس الدولة الأموية. لكنه لا يقتصر على شخصيته، بل يوسع نطاق السرد ليشمل شخصيات محورية مثل علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، وعمرو بن العاص.
الحبكة تتخذ طابعًا تصاعديًا، حيث تبدأ برسم ملامح الصراع الداخلي في مجتمع لم يعتد بعد على فكرة الدولة المركزية، ثم تتسارع الأحداث مع مقتل عثمان، لتصل إلى المواجهة المباشرة بين علي ومعاوية. في هذا الإطار، يستخدم العمل الحوار كوسيلة رئيسية لنقل الرؤى السياسية والفكرية لكل طرف، مع ترك مساحة كبيرة للمعارك كمحطات فاصلة في تطور الشخصيات.
القضايا المطروحة: السلطة والشرعية والتأويلات التاريخية
المسلسل يتعامل مع واحدة من أعقد القضايا في التاريخ الإسلامي: كيف انتقلت السلطة من نظام الشورى إلى الملك الوراثي؟ هنا يبرز معاوية كسياسي بارع عرف كيف يستثمر الأحداث لصالحه، لكن في المقابل، يُطرح تساؤل جوهري حول طبيعة الشرعية السياسية في الإسلام: هل تقوم على القوة والدهاء السياسي؟ أم على المبادئ والقيم الدينية؟
كذلك، يتناول المسلسل مفهوم “الفتنة الكبرى” دون تقديم إجابة حاسمة، بل يترك للمشاهد أن يستنتج موقفه بناءً على التفاعلات بين الشخصيات. هذا النهج قد يكون نقطة قوة، لكنه في الوقت ذاته قد يفتح المجال لتأويلات منحازة بحسب الخلفيات الفكرية للجمهور.
الإخراج والرؤية البصرية
تم تصوير المسلسل في تونس، حيث استفاد من التنوع الجغرافي والمعماري الذي يتناسب مع بيئة القرن السابع الميلادي. الإخراج يوازن بين المشاهد الحربية والمشاهد الحوارية، مع استخدام زوايا تصوير ديناميكية تمنح المشاهد إحساسًا بالانغماس في الأحداث.
لكن رغم جودة المشاهد القتالية، هناك ملاحظات على بعض الجوانب الإخراجية، مثل المبالغة أحيانًا في تصوير شخصيات معينة كأنها خارقة أو تمتلك كاريزما غير واقعية.
الأداء التمثيلي وتفسير الشخصيات
التجسيد الدرامي لمعاوية بن أبي سفيان كان محوريًا في نجاح المسلسل، حيث قدم الممثل لجين إسماعيل أداءً متماسكًا، خاصة في المشاهد التي تُظهر الجانب السياسي البارد لشخصيته. أما إياد نصار في دور علي بن أبي طالب، فقد حاول تقديم شخصية قوية لكنها مشوبة بالإنسانية، مما أعطى عمقًا للصراع بين الطرفين.
من ناحية أخرى، بعض الشخصيات مثل عمرو بن العاص وعائشة بنت أبي بكر لم تحظ بالمساحة الكافية لتقديم أبعادها الحقيقية، مما جعل حضورها أقل تأثيرًا مما يجب.
الجدل حول المسلسل: بين التاريخ والإيديولوجيا
منذ الإعلان عنه، أثار المسلسل جدلًا واسعًا، حيث انقسمت الآراء بين من يرى أنه يضيء على فترة هامة من التاريخ الإسلامي بطريقة محايدة، وبين من يعتقد أنه يعيد إنتاج الروايات التقليدية التي قد تكون منحازة لطرف دون آخر.
القضية الأبرز كانت في طريقة تصوير المسلسل للخلاف بين علي ومعاوية: هل هو صراع سياسي محض، أم يحمل أبعادًا دينية؟ هذه الإشكالية جعلت بعض المشاهدين ينتقدون العمل باعتباره ترويجًا لرؤية محددة للصراع، فيما اعتبره آخرون محاولة لمقاربة الحدث بشكل موضوعي دون الانحياز لطرف.
-
التقييم العام: بين النجاح والقصور