No Widgets found in the Sidebar

في ظل الأحداث الدامية التي شهدتها غزة خلال “طوفان الأقصى”، ظهر الإعلام كفاعل رئيسي في صياغة الرأي العام. لكن في خضم هذه الأزمة الإنسانية والسياسية، باتت الحدود بين الموضوعية والتحيّز غير واضحة، ما أتاح المجال لخطاب الكراهية بالتسلل إلى كثير من المنصات الإعلامية. تونس، كجزء من العالم العربي، لم تكن بمنأى عن هذه التأثيرات، ما يطرح تساؤلات حول دور الإعلام التونسي في مواجهة هذا الخطاب وتقديم تغطية مهنية.

 نجوى الهمامي

خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات، بل أداة تُغذي الانقسامات، وتُضعف المجتمعات، خاصة خلال الأزمات الكبرى. عندما تُخلط المصطلحات بين “الإرهاب” و”المقاومة”،وبين “الشهيد” و”القتيل” وبين “الدولة ” و”الكيان” تُطمس الحقائق ويتحول النقاش من جوهره الأساسي. هذا التحول دفع الصحافيين التونسيين للتأمل في أدائهم الإعلامي وإعادة النظر في حدود دورهم خلال هذه الأزمة.

إزدواجية المعايير 

هذا التأمل كان متأثرًا بشكل مباشر بالتغطيات الدولية للأحداث. زياد الدبار، نقيب الصحافيين التونسيين، وصف التغطيات الدولية بأنها محملة بازدواجية المعايير، مؤكدًا أنها لم تكتفِ بتضليل الجمهور، بل أسهمت أيضًا في تغذية خطاب الكراهية تجاه الفلسطينيين. هذه الانتقادات لم تقف عند وسائل الإعلام الدولية، بل ألقت بظلالها على بعض التغطيات العربية التي واجهت تحديات مشابهة.

وعن التغطية الاعلامية التونسية للأحداث أكد الدبار قائلا ”سعينا ان تكون وسائل الإعلام التونسية منبرا لأصوات الحق والحقيقة من غزة الضفة الغربية، وانضبط أغلب الصحافيين/ات الى التغطية الموضوعية قدر الامكان رغم شح المصادر والمعلومات ، فلا يمكن الحديث عن الحياد مع القضية الفلسطينية، نحن دائما نناصر القضية ونرفض ما تزعمه وسائل الإعلام المدعومة والممولة والداعمة للكيان المحتل”.

 

                             تأثير الإعلام الدولي على المشهد التونسي

هذا السياق الدولي أثّر بشكل ملحوظ على الإعلام التونسي، الذي حاول أن يكون أكثر مهنية، لكنه وجد نفسه في مواجهة شُح بالمعلومات الموثوقة. هنا برز دور الصحافيين الفلسطينيين المقيمين في تونس، مثل محمود بامية (مقيم في تونس منذ أكثر من 20 سنة وهو مراسل إذاعة صوت فلسطين في تونس) الذي يعتبر نفسه جسرًا لنقل الحقائق. يقول بامية: “إلى جانب نقل الأحداث من غزة، كنت أعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة التي تأتينا من وسائل إعلام أخرى.” وبيّن بامية أن “الإعلام التونسي في أغلبه لم يعد يستند إلى المعلومات الأحادية الخطاب التي ترويها كبرى المحطات التلفزيونية، والتي كانت تتشدق بأخلاقيات المهنة، بل حاول رغم التضييقات أن ينقل المعلومة من المصدر بعد التثبت منها”، كما يرى محمود بامية أن ” دور الإعلام التونسي كان واضحًا في دعمه للقضية الفلسطينية، لكنه ظل محدودًا بسبب غياب العمق الاستقصائي.”

الإعلام العربي: بين العاطفة والمهنية

يفتح غياب الإعلام الاستقصائي التونسي النقاش على نطاق أوسع بالنسبة للتغطية الاعلامية، حيث تتشابك فيه العاطفة مع الحياد المزعوم، كما تشير الصحافية  والباحثة الأكاديمية سيماء المزوغي.

على الرغم من أن الإعلام العربي يظهر دعمًا واضحًا للقضية الفلسطينية، إلا أنه أحيانًا يقع في فخ العاطفة، ما يضعف تأثير رسائله. تقول المزوغي: “إن القضية الفلسطينية ليست مجرد خبر عاجل نتابعه عند الأزمات؛ بل هي صراع تاريخي يتطلب تناولًا استقصائيًا وثائقيًا يوثق الحقائق ويعكس عمق القضية.”

وتنتقد الباحثة بشدة الخطاب التحريضي الذي يُستخدم للإضرار بالقضية الفلسطينية، مشيرةً إلى أن الإعلام التونسي يمكنه أن يلعب دورًا محوريًا في كشف التلاعب بالمعلومات والتصدي له من خلال تقديم تقارير موضوعية، تعتمد على التحقق من الحقائق، وتحليل الأحداث بعمق.

كما تدعو  المزوغي  إلى تنظيم حملات إعلامية توعوية “تُركز على تعزيز الفهم العام لخطاب الكراهية وآثاره السلبية، سواء في السياق الفلسطيني أو العربي بشكل عام” وتحث على تنظيم ندوات وبرامج حوارية لتثقيف الجمهور بأهمية التضامن العربي مع فلسطين ونبذ الكراهية التي تهدد وحدة الصف العربي.”

حديث المزوغي يؤكد الحاجة إلى خطاب إعلامي جديد يبتعد عن الأنماط الانفعالية التي تُختزل أحيانًا في الشعارات، ليضع أسسًا مستدامة لفهم القضية الفلسطينية على المدى الطويل. لكن هذا التغيير لا يمكن أن يتم بمعزل عن الجهود التنظيمية والمهنية التي تقودها منظمات المجتمع المدني في تونس. 

…تغطية متنوعة ولكن

تناول الإعلام التونسي بفاعلية أحداث غزة، مسلطًا الضوء على المعاناة الإنسانية الناتجة عن التصعيد العسكري والحصار، ومؤكدًا على الرواية الفلسطينية التي تعكس الصمود والحق المشروع للشعب الفلسطيني. بعد الطوفان الأخير، تجندت كافة وسائل الإعلام التونسية، من إذاعات وقنوات تلفزيونية إلى الصحف الإلكترونية، لتغطية الأحداث بشكل مكثف، حيث تعزّز هذه الجهود دعم الرواية الفلسطينية أمام المجتمع الدولي. ركّزت التغطيات على فضح الانتهاكات الإسرائيلية وتسليط الضوء على قصص التضامن والدعم الإنساني، مما يعكس الالتزام الشعبي والرسمي التونسي تجاه هذه القضية.

ومع ذلك، فإن التغطية الإعلامية للأحداث في غزة ليست بمعزل عن تحديات خطاب الكراهية، حيث قد يتسلل إلى المحتوى الإعلامي بعض النبرة التحريضية أو الانفعالات المفرطة التي يمكن أن تعزز التوتر والانقسامات بدلًا من تحقيق أهداف بناء التفاهم ودعم الحقوق الإنسانية. وهنا يأتي دور منظمات المجتمع المدني في توجيه الإعلاميين نحو خطاب أكثر توازنًا ومهنية، من خلال تقديم أدوات مثل “دليل الممارسات الفضلى لمعالجة خطاب الكراهية”، والذي يُعتبر مصدرًا فعالًا لتحسين التغطيات الإعلامية، وجعلها تستند إلى معايير حقوق الإنسان مع تقليل تأثير اللغة العاطفية أو التحريضية.

هذا النهج لا يعزز فقط مصداقية الإعلام التونسي، بل يُسهم أيضًا في تقديم رواية فلسطينية قوية ومؤثرة تخاطب المجتمع الدولي بأسلوب يستند إلى الحقائق الموضوعية والمعايير الإنسانية. إضافةً إلى ذلك، فإن تقديم تقارير شاملة عن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في غزة يساعد في كشف حقيقة الواقع وتعزيز جهود الدفاع عن حرية الصحافة عالميًا.

أدوار منظمات المجتمع المدني في تعزيز المصداقية

تتجلى أهمية دور منظمات المجتمع المدني في تعزيز المصداقية الإعلامية في قدرتها على توفير الأدوات والموارد التي تدعم ممارسات إعلامية مهنية وأخلاقية. على سبيل المثال، إصدارات الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري في تونس HIACA بالتعاون مع منظمة المادة 19، في 29 مارس 2022، “دليل الممارسات الفضلى لمعالجة خطاب الكراهية” وهو ليس مجرد وثيقة إرشادية، بل هو بمثابة دليل عملي يُعزِّز وعي الإعلاميين بالمخاطر المرتبطة بخطاب الكراهية ويُقدّم لهم حلولاً ملموسة لإدارة المحتوى الإعلامي بأسلوب متوازن وفعّال. كما أن الجهود المبذولة من قِبَل “المادة 19” تُسلط الضوء على الحاجة الماسة لتطوير خطاب إعلامي يستند إلى الدقة والتحقق من الحقائق لمواجهة الأخبار المضللة، خاصةً في ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على تشكيل الرأي العام

 

وتُشير خولة شبح من مرصد انتهاكات الصحافيين إلى أن مدونات السلوك التي وقّعت عليها مؤسسات الإعلام التونسية تلعب دورًا مهمًا في تعزيز المهنية والالتزام الأخلاقي، حيث تعكس هذه المدونات حرص المؤسسات على التعامل الإنساني مع قضايا حقوق الأطفال والنساء، وتقديم تغطيات إعلامية تراعي مبادئ حقوق الإنسان. تضيف شبح: “هذه المبادرات تساعد الصحفيين على إنتاج محتوى متوازن ينسجم مع أخلاقيات المهنة ويُبرز الأبعاد الإنسانية في الأحداث.” كما أن التقارير الصادرة عن مرصد انتهاكات الصحفيين تُعتبر مصادر قيّمة في تسليط الضوء على التحديات التي يواجهها الصحفيون، خاصة في مناطق النزاع مثل غزة، حيث تقدم هذه التقارير معلومات موثوقة عن الانتهاكات التي يتعرضون لها، مما يُعزز الوعي الدولي حول ظروف عملهم الصعبة ويُدعم جهود حماية حرية الصحافة.

إضافةً إلى ذلك، يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تُطلق برامج تدريبية مبتكرة تُركز على تطوير مهارات الصحفيين في التحقق من المعلومات والتحليل النقدي، فضلًا عن تعزيز الوعي بأهمية استخدام لغة حوارية بنّاءة، مما يُسهم في بناء ثقة أكبر بين الإعلام والجمهور. هذه الجهود تُظهر كيف أن المجتمع المدني يمكن أن يكون حليفًا استراتيجيًا للإعلام في مواجهة تحديات العصر الرقمي.

التربية الإعلامية: نحو جمهور أكثر وعيًا

إضافة إلى الجهود المبذولة من قبل منظمات المجتمع المدني، تبرز أهمية التربية الإعلامية كأداة لتمكين الجمهور من التعامل مع المحتوى الإعلامي بوعي أكبر. توضح أستاذة التعليم سامية العموري أن “إدماج التربية الإعلامية في المناهج الدراسية سيمكن الأجيال القادمة من فهم الفرق بين الحقيقة والتضليل، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الحساسة مثل القضية الفلسطينية.” 

وتشير العموري  إلى أن الإعلام التونسي قد نجح نسبيًا في تحمل مسؤولية التصدي لخطاب الكراهية الذي يُبث عبر بعض وسائل الإعلام العربية، حيث اعتمد على تغطية مهنية متوازنة تركز على إبراز الحقيقة وتعزز قيم الوحدة والتضامن. وعلى الرغم من شُح المصادر والتضييقات التي يواجهها، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في دعمه، وذلك من خلال توفير أدوات إضافية لنقل الرسالة 

وفي سياق تغطية القضية الفلسطينية، تؤكد العموري على أهمية التركيز على البرامج التعليمية والإعلامية التي تُبرز الواقع الإنساني للشعب الفلسطيني ومعاناته اليومية تحت الاحتلال. كما تشير إلى ضرورة تسليط الضوء على محاولات التضليل الإعلامي التي تهدف إلى تشويه القضية. وتعتبر أن الإعلام التونسي قادر على أن يكون نموذجًا يُحتذى به في تقديم تغطية تعتمد على الروايات الصادقة، مع الابتعاد عن الخطاب التحريضي وتقديم محتوى يدعم التضامن والقيم الإنسانية المشتركة 

وفي السياق، تشدد المزوغي على ضرورة أن يكون للإعلام دور في توثيق الحقائق بدلًا من الاكتفاء بردود الأفعال السطحية. تقول: “الإعلام الحر لا يكتب العناوين فقط، بل يكتب التاريخ. القضية الفلسطينية ليست قضية موسمية بل جوهر لنضال إنساني يجب أن يُبرز بعمق ومهنية.”

وبالتالي لتفعيل دور الإعلام في توثيق الحقائق وتجنب خطاب الكراهية، يمكن تعزيز عدد من الآليات والنصائح العملية التي تساعد المؤسسات الإعلامية والصحفيين في تحسين أدائهم

 قواعد  عملية لتوثيق الحقائق وتجنب خطاب الكراهية

 أولى القواعد  هو الالتزام بمعايير أخلاقيات المهنة وذلك عبر التركيز على تقديم تغطيات مهنية تعتمد على الوقائع، وتجنب الانحياز أو تبني أي توجهات تحريضية.الى جانب مراجعة المحتوى الإعلامي بدقة للتأكد من خلوه من اللغة العاطفية المفرطة أو التي قد تؤدي إلى إثارة الانقسامات

ثانيا، تعزيز التربية الإعلامية وتقديم برامج تدريبية للصحفيين تُركز على فهم خطاب الكراهية وآثاره السلبية على المجتمع

الى جانب إدماج مفاهيم التربية الإعلامية ضمن المناهج الدراسية لتمكين الأجيال القادمة من تحليل الخطاب الإعلامي وتفادي تأثير الأخبار المضللة

 ثالثا، التحقق من المصادر والمعلومات وضرورة التثبت من مصادر المعلومات قبل نشر أي محتوى، خاصة خلال الأزمات، لضمان تقديم الحقائق دون تضليل.والتعاون مع مراسلين وصحفيين في مناطق النزاع لتقديم روايات مباشرة وموثوقة بدل الاعتماد على أطراف ثالثة

رابعا، استخدام الأدوات المهنية لمكافحة خطاب الكراهية والاستفادة من أدلة مهنية مثل “دليل الممارسات الفضلى لمعالجة خطاب الكراهية”، الذي يساعد الصحفيين على إدارة المحتوى بأسلوب متوازن

خامسا، تكثيف التغطيات الوثائقية والاستقصائية والابتعاد عن التقارير السطحية والتركيز على تغطيات معمقة، تدرس خلفيات القضايا وتسرد الحقائق بعيدًا عن الانفعالات الموسمية.وإنتاج أفلام وثائقية وبرامج استقصائية تعرض المعاناة الإنسانية والقضية الفلسطينية من منظور شامل ومهني 

سادسا، تعزيز الشراكات مع منظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية لدعم الإعلاميين بالأدوات المناسبة لمواجهة خطاب الكراهية

سابعا، قياس تأثير الخطاب الإعلامي،عبر إجراء دراسات دورية لفحص تأثير المحتوى الإعلامي على الجمهور، لتقييم مدى نجاح المؤسسات الإعلامية في تقديم خطاب متوازن وموضوعي.وبالتالي تطوير استراتيجيات تعتمد على نتائج هذه الدراسات لتحسين الأداء الإعلامي

إن الأزمة الفلسطينية لا تختبر فقط مدى التزام الإعلام بالقيم المهنية، بل تعيد صياغة دوره كحارس للحقيقة وناقل للواقع. في تونس، ورغم الجهود المبذولة، يظل التحدي الأكبر هو بناء خطاب إعلامي يرتكز على القيم الإنسانية ويعمل على توجيه الرأي العام نحو فهم أعمق للقضية

هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الصحفيين وحدهم، بل تتطلب تعاونًا مستدامًا بين الإعلام، منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية، لضمان أن يبقى الإعلام أداة فعّالة للتغيير الإيجابي في مواجهة خطاب الكراهية،خصوصًا في ظل السياق السياسي التونسي الذي يفرض على الإعلام أن يظل بعيدًا عن الوقوع في فخ خطاب الانقسامات أو تأجيج الاحتجاجات الشعبية، حفاظًا على دوره في تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي

 

تم انتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن زمالة تأثير النزاعات والحروب على تغطية الصحافة والإعلام ، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي