ليس سهلًا أن تقف أمام الكاميرا فتكون أكبر من الدور، أعمق من الشخصية، وأشد قتامة من الشر ذاته. محمد علي بن جمعة لا يؤدي، بل يتلبّس، ينغمس، يغوص في الشخصية حتى يخنقها وتختنق به في مسلسل “فتنة” لسوسن الجمني، يجسد صورة الأخ الأكبر الذي يريد أن يكون الأول، المتحكم، السيد، ولو كان الثمن العائلة، الصداقة، الشرف. المال هو الغاية، والآخرون مجرد عتبات في طريقه.
لكنه ليس ذلك “الشرير” التقليدي الذي تسهل إدانته. هناك شيء في عينيه، في نبرة صوته، في طريقته في خيانة صديقه ومدّ يده إلى زوجته، يجعلك لا تكرهه فقط، بل تتساءل: أي حفرة في روحه دفعته إلى هذا؟ أي شرخ قديم؟ أي هزيمة لم يُعلن عنها؟
هذه ليست مجرد شخصية جشعة، بل رجل يمضغ كل شيء في طريقه، ثم عندما لا يجد ما يأكله، يبدأ في التهام نفسه.
محمد علي بن جمعة لا يؤدي، بل يتلبّس، ينغمس، يغوص في الشخصية حتى يخنقها وتختنق به في مسلسل “فتنة” لسوسن الجمني، يجسد صورة الأخ الأكبر الذي يريد أن يكون الأول، المتحكم، السيد، ولو كان الثمن العائلة، الصداقة، الشرف. المال هو الغاية، والآخرون مجرد عتبات في طريقه.
نيتشه يتكلم من خلاله: من لا يستطيع أن يكون إلهًا، يصبح وحشًا
كل شخصية تحمل فلسفتها الخاصة، و”الأخ الأكبر” في “فتنة” ليس استثناءً. إنه نيتشوي بامتياز، رجل لا يرى في العالم إلا قوتين: القوي الذي يأخذ، والضعيف الذي يُؤكل. قد لا يكون قرأ “هكذا تكلم زرادشت”، لكنه يعيش وفق منطقه. يرى أن الحياة صراع، وأن الرحمة كذبة يخترعها الضعفاء ليبرروا فشلهم.
لكنه لا يدرك أن الوحوش التي نصنعها لأنفسنا تنتهي دائمًا بأكلنا.
خيانة الصديق: حين يكون الطعن في الظهر طقسًا للهيمنة
أن تسرق مالًا، أن تحتال، أن تغش، هذه أفعال قد تُبرر بالجشع .. لكن أن تخون صديقك الأقرب، الرجل الذي مدّ لك يده، فذلك ينقل الأمر إلى مستوى آخر: مستوى الطعن الطقوسي، حيث تصبح الخيانة إثباتًا للهيمنة، إعلانًا نهائيًا بأنك فوق الجميع، ولا شيء مقدّس.
هنا نستعيد ميكيافيلي، الذي يرى أن الصداقة في عالم السياسة مجرد مرحلة، وسارتر الذي يحدثنا عن “الجحيم هم الآخرون”. بالنسبة لهذه الشخصية، كل من يحبونه هم تهديد محتمَل، كل من يساعدونه يجب أن يسقطوا، لأنه لا يستطيع أن يرى فيهم سوى مرايا تعكس ضعفه القديم.
بين قابيل وفرويد: لماذا يريد الأخ الأكبر قتل العائلة؟
يبدو الصراع العائلي في “فتنة” وكأنه إعادة إحياء لأسطورة قابيل وهابيل، لكن هذه المرة بدون حجر يرفع في وجه الآخر، بل بخيانة ناعمة، بمؤامرة مكتملة الأركان. لماذا يريد الأخ الأكبر أن يدوس إخوته؟ لماذا يرى فيهم عقبة، وليس امتدادًا؟
يجيب فرويد: هذا هو صراع الأبناء الأبدي، حيث يسعى الأكبر دائمًا إلى تأكيد سلطته، والخوف يتملّكه من أن يصبح مجرد واحد بينهم، بدلًا من أن يكون السيد. وهنا تتجلّى عقدة أدلر أيضًا، حيث يصبح التنافس بين الإخوة ليس مجرد مسألة نجاح، بل معركة وجود.
محمد علي بن جمعة: حين يصبح الشر ضرورة للحياة
ليس كل ممثل قادرًا على جعل شخصية كهذه تبدو حقيقية. هناك من يلعب دور الشرير، وهناك من يصبح هو الشر ذاته. بن جمعة لا يمثل، بل يتقمّص حتى الاحتراق. تستطيع أن ترى ذلك في طريقته في الكلام، في سكونه الذي يسبق العاصفة، في عينيه عندما يدرك أنه دمر كل شيء، لكنه لا يتوقف، لأنه لا يعرف كيف.
هنا، يعود بنا الأمر إلى ستانيسلافسكي، إلى التمثيل الذي لا يعتمد على تقنيات الأداء فقط، بل على الدخول إلى روح الشخصية، العيش داخل جلدها حتى يصبح الخروج منها أشبه بالموت.
“فتنة”: أكثر من مسلسل، وأكثر من قصة جشع
قد يبدو “فتنة” مجرد قصة عن الطمع والخيانة، لكنه في جوهره أعمق من ذلك. إنه دراسة لنوع من البشر يعيش بيننا، ربما في العائلة، ربما في العمل، ربما في أعماقنا نحن.
محمد علي بن جمعة لم يقدم شخصية شريرة فقط، بل قدم رجلًا يحاول أن يملأ فراغه الداخلي بالمزيد من الشجع، رجلًا لا يستطيع التوقف، حتى وهو يدرك أنه يقترب من الهاوية.
محمد علي بن جمعة في فتنة لا يقتصر على أداء دور الأخ الأكبر الطامع في السلطة والنفوذ، بل يذهب أبعد من ذلك. هو يعيشه بكل تفاصيله، يتنفسه حتى يصبح هو الشخصية، ليس مجرد ممثل يؤدي أدوارًا بل روح أخرى تتلبس جسده. في عينيه تجد الخواء، ذلك الفراغ الذي يحاول ملأه بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب كل ما حوله. بن جمعة لم يقتصر على تقديم شخصية جشعة أو متحكمة، بل منحها عمقًا يجعلها أقرب إلى معركة وجودية لا تتوقف. في كل نظرة، في كل كلمة، تحمل تلك الشخصية ثقل التاريخ، وشبح الهزائم الداخلية التي تكمن وراء تصرفاته.
في صوته بحة تعبّر عن التردد الذي يسبق الانقضاض، وفي جسده حركة متوترة تسبق الفعل. لا شيء عابر في أدائه، كل خطوة، كل لحظة، تشهد على صراع داخلي بين الطموح والندم، بين الرغبة في السيطرة على العالم وبين الخوف من أن يُكتشف ضعفه الداخلي. في خيانته لصديقه، نجد أبعادًا أعمق، هي ليست مجرد خيانة عادية بل طقسٌ مؤلم يعلن فيه عن موت كل ما هو جميل وصادق في حياته. هذه الشخصية ليست شريرة فحسب، بل هي صورة حية لمجتمع يلتهم نفسه في محاولاته المستمرة للبحث عن القوة، ولو كانت على حساب الجميع.
بن جمعة في فتنة ليس مجرد ممثل. هو شعور مكبوت، يبرز كل ما هو غائر في النفوس المظلمة التي تخشى الاعتراف بما تحمله من عواطف جريحة.
وفي النهاية، لا يسقط فقط، بل يسقط العالم معه.