No Widgets found in the Sidebar

في تونس، حيث يُخيّل إليك أن الأرض نفسها تنبض بتاريخ يعود إلى آلاف السنين، وحيث تنحني جدران المدن العتيقة لتحكي أسرارها للمارة الذين لا يُصغون، توجد طبقات من الحضارات مطمورة تحت طبقات أخرى من النسيان والإهمال، وأحيانًا الطمع والنهب. القضية المنسية التي سلط عليها الضوء مسلسلا “الفتنة” لسوسن الجملي و”رقوج” لعبد الحميد بوشناق ليست مجرد حبكة درامية، بل واقع قائم: نهب الآثار التونسية. البلاد التي كانت في يوم ما ملتقى الحضارات المتوسطية الكبرى، أصبحت الآن مسرحًا مفتوحًا لصراع غير متكافئ بين التراث والتخريب، بين الهوية والنسيان.

تونس: المتحف المفتوح الذي لا يجد من يحرسه

في الكتب والمقالات، كثيرًا ما تُوصف تونس بأنها متحف مفتوح. العبارة تبدو مغرية، لكنها تتضمن مأساة مخفية. المتحف يتطلب الحماية، الترميم، التوثيق، لكنه أيضًا يتطلب الاعتراف بقيمته. عندما يكون الإرث ضائعًا بين المصالح الضيقة والبيروقراطية الثقيلة، يصبح التوصيف فارغًا من معناه، ويصبح التاريخ نفسه سلعة تُباع سرًا لمن يدفع أكثر.

في السنوات الأخيرة، تفاقمت ظاهرة نهب الآثار بشكل أصبح معها الحديث عن “السوق السوداء للتراث التونسي” ليس مجرد تهويل إعلامي، بل حقيقة موثقة. بحسب تقارير رسمية، هناك آلاف القطع الأثرية التي خرجت من تونس بشكل غير قانوني، بعضها عُرض في مزادات عالمية، وبعضها الآخر انتهى في مجموعات خاصة بعيدًا عن العيون. ليس الأمر مجرد تهريب لقطع خزفية أو تماثيل رومانية صغيرة، بل هناك عمليات منظمة تستهدف مواقع بأكملها، تنقيب غير شرعي باستخدام معدات حديثة، وسط غياب الرقابة وانعدام رد الفعل الفعّال من السلطات.

ما الذي يجعل الآثار التونسية معرضة للخطر؟

  1. الرقابة الضعيفة: المعهد الوطني للتراث يُدير آلاف المواقع الأثرية بميزانية لا تكفي حتى لتأمين كاميرات مراقبة لكل هذه المساحات الشاسعة. في المقابل، العصابات التي تنشط في سرقة الآثار تمتلك تكنولوجيا متطورة، وأحيانًا مصادر معلومات تأتي من داخل المؤسسات نفسها.
  2. التواطؤ المحلي والدولي: لا يمكن للسوق السوداء أن تعمل بدون تعاون من الداخل. هناك وسطاء، تجار آثار، عملاء مزادات، وحتى مسؤولون في بعض الأحيان يغضّون الطرف مقابل نصيبهم من الغنيمة.
  3. الطلب العالمي المتزايد: هناك هواة جمع ومستثمرون في أوروبا والخليج والولايات المتحدة يبحثون عن قطع نادرة، وتونس، بتاريخها الغني، تُعتبر منجما لا ينضب.

حين يكون الإرث بلا حماية: أمثلة حية

في مناطق عدة من تونس، بين المواقع الأثرية المنسية التي بالكاد تجد من يسجل وجودها، هناك أماكن مثل “حيدرة” و”سبيطلة” التي لا تحظى إلا بالقليل من التغطية الإعلامية، لكنها تتعرض منذ سنوات لعمليات سرقة ممنهجة.

مدينة “دقة” الرومانية، واحدة من أجمل المدن الأثرية المحفوظة في شمال أفريقيا، عانت في السنوات الأخيرة من اعتداءات متكررة. تماثيل مكسورة، نقوش مسروقة، حتى الأعمدة الرخامية الثقيلة التي يُفترض أنها عصيّة على النهب، لم تسلم من محاولات التهريب.

قرطاج، التي يُفترض أنها محمية كتراث عالمي، ليست أفضل حالًا. رغم قربها من العاصمة، فإن أجزاء منها تُستباح تحت غطاء مشاريع عقارية أو حفر عشوائي لا يجد من يوقفه.

التراث كعبء بدل أن يكون مصدر فخر

المفارقة الكبرى هي أن تونس تمتلك تراثًا يكفي ليكون محركًا اقتصاديًا وسياحيًا وثقافيًا، لكنه يُعامل وكأنه عبء. لا توجد استراتيجية واضحة للاستفادة منه، لا في التعليم ولا في الثقافة ولا في السياحة. حين يزور الأجانب المواقع الأثرية، كثيرًا ما يُفاجَؤون بعدم وجود أدلّة سياحية مؤهلة، أو بعدم توفر أي شروحات باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، أو بأسوأ من ذلك: أن يجدوا المواقع مهجورة وكأنها مجرد أطلال بلا معنى.

ماذا بعد؟ هل يمكن إنقاذ ما تبقى؟

إنقاذ التراث التونسي يتطلب ما هو أكثر من بيانات صحفية وخطط حكومية غير مُفعّلة. هناك خطوات ضرورية يجب اتخاذها:

  1. تجريم التنقيب غير الشرعي بصرامة، مع تطبيق قوانين رادعة ضد المتورطين في سرقة وبيع القطع الأثرية.
  2. الاستثمار في الرقمنة والتوثيق، بحيث يتم تسجيل كل قطعة أثرية وتوفير قاعدة بيانات وطنية تسهّل تتبع أي قطعة تُباع في الخارج.
  3. تعزيز الوعي المجتمعي، من خلال مناهج تعليمية تزرع في الأجيال الجديدة أهمية التراث كمصدر فخر وهوية وليس فقط كمواقع سياحية.
  4. الضغط دوليًا لاستعادة القطع المسروقة، عبر التعاون مع اليونسكو والمنظمات الثقافية الدولية.

 التاريخ الذي لا نحفظه، يضيع إلى الأبد

التراث ليس مجرد حجارة صامتة أو نقوش قديمة، بل هو ذاكرة الأمم. كل قطعة أثرية تُنهب من تونس، هي جزء من رواية تُسرق، من هوية يتم التلاعب بها. إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فقد يأتي اليوم الذي تصبح فيه تونس مجرد حكاية تُروى عن أرض كانت، ولم تعد.